×
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الشيخ محمد بن صالح العثيمين

هذا إذا كان التكفير في غير محله

السؤال :
حدث حوار بيني وبين صديق لي عن الإسلام، حيث قال هذا الصديق: إنه لا يصلي على الإطلاق، فقلت له: أنت كافر؛ لأن الله تعالى يقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} (1) وقال لي: أنت أيضا كذلك وذكر لي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كفر مسلما فقد كفر» (2) وبعد ذلك تركته وذهبت حتي لا يحتدم النقاش إلى أكثر مما وصل إليه. فما حكم كلامنا هذا الذي تم بيننا؟ وهل نأثم عليه؟
الجواب :

الصواب أن من ترك الصلاة فهو كافر، وإن كان غير جاحد لها، هذا هو القول المختار والراجح عند المحققين من أهل العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (3) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه بإسناد صحيح. ولقوله أيضا صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (4) خرجه الإمام مسلم في صحيحه. ولقوله أيضا عليه الصلاة والسلام: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (5) خرجه الإمام أحمد والإمام الترمذي رحمة الله عليهما في إسناد صحيح عن معاذ رضي الله عنه. ولأحاديث أخرى جاءت في الباب.

فالواجب على من ترك الصلاة أن يتوب إلى الله وأن يبادر بفعلها ويندم على ما مضى من تقصيره ويعزم على ألا يعود، وهذا هو الواجب عليه.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكون عاصيا معصية كبيرة، وجعل هذا الكفر كفرا أصغر، واحتج بما جاء في الأحاديث الصحيحة من فضل التوحيد وأن من مات عليه فهو من أهل الجنة إلى غير هذا، لكنها لا تدل على المطلوب، فإن ما جاء في فضل التوحيد وأن من مات عليه دخل الجنة إنما يكون بالتزامه أمور الإسلام، ومن ذلك أمر الصلاة، فمن التزم بها حصل له ما وعد به المتقون، ومن أبى حصل عليه ما توعد به غير المتقين ولو أن إنسانا قال لا إله إلا الله ووحد الله، ثم جحد وجوب الصلاة كفر ولم ينفعه قوله لا إله إلا الله وتوحيده لله مع جحده وجوب الصلاة عند جميع أهل العلم.

فهكذا من تركها تساهلا وقلة مبالاة ولم يجحد وجوبها؛ حكمه حكم من جحد وجوبها في الصحيح من قولي أهل العلم، ولم تنفعه شهادته بأنه لا إله إلا الله؛ لأنه ترك حق هذه الكلمة فإن من حقها أن يؤدي الصلاة، وهكذا لو وحد الله وأقر بأنه لا إله إلا الله ولكنه استهزأ بشيء من دين الله فإنه يكفر كما قال الله عز وجل: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66] .

وهكذا لو قال لا إله إلا الله ووحد الله، وجحد وجوب الزكاة أو جحد وجوب صوم رمضان أو جحد الحج مع الاستطاعة أو جحد تحريم الزنا أو جحد تحريم السرقة أو جحد تحريم اللواط أو ما أشبه ذلك؛ فإن من جحد هذه الأمور أو شيئا منها كفر إجماعا ولو أنه يصلي ويصوم، ولو أنه يقول لا إله إلا الله؛ لأن هذه النواقض تفسد عليه دينه، وتجعله بريئا من الإسلام بهذه النواقض لكونه بجحدها أو شيء منها يعتبر مكذبا لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

فينبغي للمؤمن أن ينتبه لهذا الأمر العظيم، وهكذا من ترك الصلاة وتساهل بها يكون كافرا وإن لم يجحد وجوبها في الأصح من قولي العلماء كما تقدم دليل ذلك في الأحاديث السابقة وما جاء في معناها، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يرد كافرهم وعاصيهم إلى التوبة النصوح.

وقوله: «من كفر مسلما فقد كفر» (6) هذا إذا كان التكفير في غير محله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه يا عدو الله أو قال يا كافر وليس كذلك إلا حار عليه» (7)

لكن هذا الذي قال: أنت كافر بترك الصلاة، قد وقع تكفيره في محله فلا يرجع إلى القائل، ولا يكون القائل كافرا، بل قائله قد نفذ أمر الله، وأدى حق الله، وبين ما أوجبه الله من تكفير هذا الصنف من الناس، فهو مأجور وليس بكافر، وإنما الكافر الذي ترك الصلاة وعاند وكابر، نسأل الله العافية.

  1. سورة البقرة الآية 85
  2. صحيح البخاري الأدب (5753) ,صحيح مسلم الإيمان (60) ,سنن الترمذي الإيمان (2637) ,سنن أبو داود السنة (4687) ,مسند أحمد بن حنبل (2/142) ,موطأ مالك الجامع (1844)
  3. سنن الترمذي الإيمان (2621) ,سنن النسائي الصلاة (463) ,سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1079) ,مسند أحمد بن حنبل (5/346)
  4. صحيح مسلم الإيمان (82) ,سنن الترمذي الإيمان (2620) ,سنن أبو داود السنة (4678) ,سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1078) ,مسند أحمد بن حنبل (3/389) ,سنن الدارمي الصلاة (1233)
  5. سنن الترمذي الإيمان (2616) ,سنن ابن ماجه الفتن (3973) ,مسند أحمد بن حنبل (5/246)
  6. صحيح البخاري الأدب (5753) ,صحيح مسلم الإيمان (60) ,سنن الترمذي الإيمان (2637) ,سنن أبو داود السنة (4687) ,مسند أحمد بن حنبل (2/142) ,موطأ مالك الجامع (1844)
  7. صحيح البخاري المناقب (3317) ,صحيح مسلم الإيمان (61) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2319) ,مسند أحمد بن حنبل (5/166)
المصادر :
المفتي : الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
المصدر : فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الطيار (ص: 134)

فتاوى ذات صلة

فتاوى الشيخ

عبد العزيز بن باز