×
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الشيخ محمد بن صالح العثيمين

ما هو القول الصحيح في عدد أهل الكهف؟

السؤال :
ما هو القول الصحيح في عدد أهل الكهف؟ وهل هم أصحاب الصخرة؟ أم غيرهم؟ وإن كان كذلك فمن هم إذن أصحاب الصخرة؟ وما هي قصتهم؟
الجواب :

أهل الكهف بينهم الله في كتابه العظيم، والأقرب هو ما قاله جماعة من أهل العلم أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، هذا هو الأقرب والأظهر، وهم أناس مؤمنون، آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وفارقوا قومهم لأجل الشرك والكفر، فلما توفاهم الله بعد ذلك بعدما ناموا المدة الطويلة توفاهم الله بعد ذلك على دينهم الحق، هؤلاء هم أهل الكهف كما بينه الله في كتابه العزيز.

إنهم فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وناموا النومة الطويلة بإذن الله، ثم ماتوا بعد ذلك ثم بنى عليهم بعض أهل الغلبة من الأمراء والرؤساء مسجدا، وقد أخطأوا وغلطوا في ذلك; لأن القبور لا يجوز البناء عليها ولا اتخاذ المساجد عليها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1) ، وحذر من البناء على القبور، وتجصيصها، واتخاذ المساجد عليها، كل هذا نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز للمسلمين أن يبنوا على القبور مساجد ولا قبابا ولا غير ذلك، بل تكون القبور ضاحية للشمس والأمطار ليس عليها بناء، لا قبة ولا مسجد ولا غير ذلك؛ عملا بالأحاديث الصحيحة وسدا لذريعة الغلو فيها والشرك بأهلها.

وهكذا كانت قبور المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين حتى غير الناس بعد ذلك وبنوا على القبور وهذا من الجهل والغلط والمنكر العظيم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (2) ، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا، وقال صلى الله عليه وسلم لما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة لما كانتا في أرض الحبشة عن كنيسة فيها تصاوير قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور» (3) ، ثم قال: «أولئك شرار الخلق عند الله» (4) .

فأخبر أنهم شرار الخلق بسبب بنائهم على القبور واتخاذهم الصور عليها، نسأل الله السلامة، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه جندب بن عبد الله في صحيح مسلم: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (5) ، فنهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد وحذر من هذا وبين أنه من عمل من كان قبلنا من اليهود والنصارى وهو عمل مذموم ملعون فاعله لكونه من وسائل الشرك، فلا يجوز للمسلمين أن يتخذوا قبابا ولا مساجد على قبور أمواتهم، بل هذا منكر ومن وسائل الشرك.

أما أصحاب الصخرة فهم أناس خرجوا يتمشون فآواهم المبيت والمطر إلى غار في جبل، فلما دخلوا انحدرت عليهم صخرة وسدت عليهم باب الغار، فقالوا فيما بينهم: لا ينجيكم من هذا إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم -التي فعلتموها لله-.

فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر ذات ليلة فلم أرح عليهما إلا وقد ناما فوقفت بالقدح أنتظر استيقاظهما فلم يستيقظا حتى برق الصبح، والصبية يتضاغون تحت قدمي. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئا قليلا لا يستطيعون معه الخروج.

ثم قال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني أردتها على نفسها فأبت، فألمت بها سنة -يعني: حاجة في بعض السنين- فجاءت إلي تطلبني، فقلت لها: لا حتى تمكنيني من نفسك، فوافقت على ذلك -على عشرين ومائة دينار سلمها لها- فلما جلس بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام خوفا من الله وتركها، وترك الذهب لها، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة أيضا ولكنهم لا يستطيعون الخروج.

ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيت كل أجير حقه إلا أجيرا واحدا كان له فرق من أرز فتركه، فثمرته له حتى اشتريت منه رقيقا وإبلا وبقرا وغنما فجاء بعد ذلك وقال: أعطني حقي، فقلت: يا عبد الله كل هذا من حقك، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت له: إني لا أستهزئ بك بل هذا كله من حقك، فأخذه واستاقه جميعا. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون.

وهذا دليل على أن الله على كل شيء قدير وأنه سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالسراء والضراء، وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو حديث صحيح فيه عبرة وفيه إرشاد إلى الضراعة إلى الله، وسؤاله عند الكروب والشدائد، وأنه سبحانه قريب مجيب يسمع دعاء الداعي ويجيب دعوته إذا شاء سبحانه وتعالى، وأن الأعمال الصالحات من أسباب تفريج الكروب، ومن أسباب تيسير الأمور، ومن أسباب إزالة الشدة، والمؤمن إذا وقع في الشدة يضرع إلى الله ويسأله ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته وبأعماله الصالحة، بإيمانه بالله ورسوله وبتوحيده وإخلاصه لله.

هذه هي الأسباب، والله سبحانه من فضله وإحسانه يجيب دعوة المضطر، ويرحم عبده المؤمن، ويجيب سؤاله، كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ، وهو القائل سبحانه: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، وهو القائل سبحانه: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] ، وهؤلاء مضطرون، نزل بهم أمر عظيم وكربة شديدة، فسألوا الله بصالح الأعمال فأجاب الله دعاءهم.

وفي هذا من الفوائد فضل بر الوالدين، وأن بر الوالدين من أفضل القربات ومن أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور، وهكذا العفة عن الزنا، فإن الحذر من الزنا من الأعمال الصالحات، ومن أسباب تفريج الكروب ومن أسباب النجاة من كل شدة، ومن أفضل الأعمال الصالحات، وهكذا أداء الأمانة، والنصح في أداء الأمانة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب، ومن أفضل الأعمال الصالحات والنعم، فهذه الأعمال الصالحة من أسباب النجاة في الدنيا والآخرة.

 

  1. صحيح البخاري الجنائز (1324) ,صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (531) ,سنن النسائي المساجد (703) ,مسند أحمد بن حنبل (6/121) ,سنن الدارمي الصلاة (1403)
  2. صحيح البخاري الجنائز (1324) ,صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (531) ,سنن النسائي المساجد (703) ,مسند أحمد بن حنبل (6/121) ,سنن الدارمي الصلاة (1403)
  3. صحيح البخاري الصلاة (424) ,صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (528) ,سنن النسائي المساجد (704) ,مسند أحمد بن حنبل (6/51)
  4. صحيح البخاري الصلاة (424) ,صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (528) ,سنن النسائي المساجد (704) ,مسند أحمد بن حنبل (6/51)
  5. صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (532)
المصادر :
المفتي : الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
المصدر : فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الطيار (ص: 105)

فتاوى ذات صلة

فتاوى الشيخ

عبد العزيز بن باز